الجاحظ

56

رسائل الجاحظ

ولا يكاد الخصم يبلغ محبته منها إلا برفع الصوت وحركة اليد ، ولا يكاد اجتماعهما يكون إلا في المحفل العظيم والاحتشاد من الخصوم ، ولا تحتفل نفوسهما ، ولا تجتمع قوتهما ، ولا تجود القوة بمكنونها وتعطي أقصى ذخيرتها ، التي استخزنت ليوم فقرها وحاجتها ، إلا يوم جمع وساعة حفل . وهذه الحال داعية إلى حب الغلبة . وليس شيء ادعى إلى التغلب من حب الغلبة وطول رفع الصوت مع التغلب ، وإفساد التغلب طباع المفسد ، يوجبان فساد النية ، ويمنعان من درك الحقيقة . ومتى خرجا من حد الاعتدال أخطئا جهة القصد . [ عداوة الناس ] وعلم الكلام بعد ملقى من الظلم ، متاح له الهضم . فهو أبدا محمول عليه ومبخوس حظه وباب الظلم إليه مفتوح ، لا مانع له دونه . والعلم بما فيه من الدرر يخفى على أكثر العقلاء ، ويغمض على جمهور الأدباء . وإذا كان ملقى من أكبر العقلاء ، ومخذولا عند أكثر الأدباء ، فما ظنك بمن كان عقله ضعيفا ونظره قصيرا ؟ بل ما ظنك بالظلوم الغادر ، والغمر الجاسر ؟ فهذا سبيل العوام فيه ، وجهل عوام الخواص به ، وانحرافهم عنه ، وميل الملوك عليه ، وعداوة بعض لبعض فيه . [ ادعاء علم الكلام ] وصناعة الكلام كثيرة الدخلاء والأدعياء ، قليلة الخلص والأصفياء والنجابة فيها غريبة ، والشروط التي تستحكم بها الصناعة بعيدة سحيقة ، ولدعي القوم من العجز ما ليس لصحيحهم ولردي الطباع في صناعة الكلام من ادعاء المعرفة ما ليس للمطبوع عليهم منهم ، بل لا تكاد تجده إلا مغمورا بالحشوة مقصودا بمخاتل السفلة .